كيف تمكنت تافيلالت من حصد جوائز عالمية بصفتها مشروع اجتماعي بيئي رائد؟

قبيل غروب الشمس، وأثناء جلوسه مع والدته حول مائدة الشاي، نظر نحو الأفق متأملا انكسار أشعة الشمس من خلف الهضبة الصخرية، ثُم أشار إليها قائلا: راني حاب نبني عليها مدينة

كان ذلك حلم « دا أحمد نوح » منذ ما يقارب النصف قرن، واليوم صار حقيقة 

تافيلالت، حين تحوِّل ريادةُ الأعمال الاجتماعية أحلامَ الأمس إلى حقيقة

مدخل قصر تافيلالت

لم تكن الأم أو أي أحدٍ من سكان قصر بني يزقن العتيق يتصوّر أنّ بإمكان شخصٍ ما بناءُ قصر مْزَابِي جديد في أواخر القرن العشرين، فكل القصور الموجودة عمرها مئات السنين؛ أطول من عُمر النخيل ومن عُمر الأجداد، فكيف لرجل في بداية شبابه أن يأتي بهذيانٍ كهذا؟

كان الكل يرى بُعد المطلب ومشقة السعي، وينفض يديه بيأس وهو يعاني من نقص السكن بين أسوار القصر الذي لم يعد يكفي لإيواء الأُسر الجديدة بعد 700 عام من بنائه

لكن الدكتور الصيدلي « أحمد نوح » كان يرى -بالإضافة لكل ذلك- أرضًا بورًا لا تصلح للزراعة، موجودة على هضبة صخرية عالية بعيدة عن مجرى الوادي، تقابل القصر القديم وتنتظر من يلتفت إليها

وهنا يتجلى جوهر ريادة الأعمال الاجتماعية؛ حيث أن رائد الأعمال الاجتماعي يبحث جاهدًا عن الحلول التي تساهم في القضاء على الأزمات المُلِحّة المتواجدة في محيطه بهدف إحداث تغيير إيجابي حقيقي على أرض الواقع، بينما تبقى بقية المجتمع عالقة في أزماتها بلا مخرج

كيف أبدأ مشروع اجتماعي ناجح في الجزائر في 2021

قبل إطلاق أي مشروع سواء كان ربحيًا أو لا، أوّل ما يتوجّب القيام به هو إنجاز دراسة مفصّلة للمشكلة من مختلف الزوايا؛ فمن المهم أن تعرف ما ستواجهه في المستقبل، وأن تحدد جذور المشكلة وعواقبها، وإن كان المشكل كبيرًا ومعقّدًا، عليك أن تقرر إن كنت ستعالجه بأكمله أو تكتفي بحلّ جزء منه فقط

في بني يزقن، كانت أزمة السكن هي المشكل الرئيسي الذي انبثقت منه مشاكل فرعية أخرى، أهمّها

انتشار ظاهرة البناء العشوائي غير الممنهج خارج القصر، وداخل واحات النخيل-

استبدال مواد البناء التقليدية بمواد حديثة أغلى سعرًا-

تبنّي هندسة معمارية لا تنتمي إلى المنطقة ولا تحترم هوية المكان وأصالته-

قرّر الدكتور « أحمد نوح » إطلاق مشروع اجتماعي يحل أزمة السكن، من خلال بناء منازل تُبنى بمواد محلية تقليدية وتتبنى طراز معماري يعكس تاريخ المنطقة

بالإضافة إلى ذلك، فإن وفرة السكن التي يضمنها قصر تافيلالت تقلّل من الحاجة إلى اللجوء للبناء العشوائي والتعدّي على الأراضي الفلاحية

كيف أخطط لأهدافي وأنجزها ؟

الآن وقد وضعنا قائمة للمشاكل التي نتعامل معها، يجب أن نسأل أنفسنا: ماذا نريد أن نحقّق من خلال هذا المشروع ومن هي الفئة التي نستهدفها؟

بالنسبة للدكتور أحمد نوح، كانت الأهداف تتمثل في ما يأتي

ـ توفير السكن للطبقة المتوسّطة بأسعار معقولة، مع استهداف الذين لا يملكون منازل خاصة وينتمون إلى الفئات التالية:المتزوّجون، الأرامل أو المطلّقون الذين لديهم أطفال، أو الأبناء الذين يتكفّلون بآباء مسنّين

الحفاظ على الطابع المعماري « القصوري » الخاص ببني مزاب-

إحياء العمل التطوّعي وثقافة التكافل الاجتماعي-

كيف أصمم مشروع اجتماعي ذو حل فعال وملائم لبيئتي؟

الخطوة المقبلة تتمثل في بناء استراتيجية تعتمد على خطة عمل مفصّلة لتنفيذ المشروع، مع تحديد طرق جذب المستثمرين وجلب رأس المال

من المهم تكوين فكرة شاملة عن خصائص المشروع، خطوات بنائه، والمراحل اللازمة لإنجازه؛ وبما أننا نتحدث عن مشاريع ضمن الريادة الإجتماعية، فيجب التركيز على المشكل الاجتماعي وكيفية معالجته، لأن هذا أهم ما في الأمر

اعتمد الدكتور أحمد نوح في إنجاز قصر تافيلالت على النظام الاجتماعي الموجود في بني يزقن، فهذا الرجل لم يكن يؤمن بالفردانية؛ ولهذا انضم إلى العمل الجمعوي وعمره 18 سنة، وانتُخِب لرئاسة مكتب عشيرته لثلاث عهدات متتالية، ساهم خلالها بشكل أساسي في معالجة قضية السكن في بني يزقن عبر مشروع تافيلالت

منطقة بني يزقن

تواجده ضمن هذا الإطار واعتباره واحدًا من أعيان بني يزقن كان لهما دور كبير في تأطير المشروع، ومنحه مصداقية أكبر في أعين المجتمع المحلي والجهات المعنية في الحكومة

لتحقيق المشروع، كان من الضروري الإجابة عن سؤالين أساسيين

من أين سنحصل على التمويل؟

إعانات الدولة

اشترت جمعية أميدول بسعر رمزي من المديرية العامة للأملاك الوطنية قطعةَ ارض تتربّع على الهضبة المقابلة لقصر بني يزقن، وتمتد على مساحة قدرها 22 هكتار. كما استعانت الجمعية في إنشاء المشروع بالصندوق الوطني للسكن

مساهمات المواطنين والعمل التطوّعي

المجتمع الصحراوي مازال يحافظ على تقسيمه العشائري ونظامه الاجتماعي الذي يقوم على مبادئ التعاون والتآزر، ويمنح أعيان المنطقة سلطة اتخاذ التدابير التي تصبّ في مصلحة السكان

وبما أن مشروع تافيلالت حظي بقبول أعيان بني يزقن، فإن المجتمع أقبل على دعمه سواء بالمساهمات المادية أو من خلال العمل التطوعي (التويزة)عبر المشاركة في أعمال البناء

كيف نصمّم المشروع؟

المبدأ الرئيسي الذي ارتكز عليه مشروع تافيلالت هو الحفاظ على كل عوامل الأصالة المرتبطة بالبناء المعماري المزابي العريق، مع أخذ متطلبات واحتياجات أبناء القرن الواحد والعشرين بعين الاعتبار، في محاولة جادّة ونموذجية للجمع بين التراث والعصرنة

 وفي هذا السياق، التزم فريق العمل باستعمال مواد البناء الطبيعية المحلية المستعملة تقليديًا في البناء المزابي: الحجر، الجير والجبس، والتي تعتبر عوازل ممتازة للصوت والحرارة

كما تقيّد التصميم الهندسي بخصائص العمارة المزابية من خلال: توحيد تصميم واجهات المنازل بحيث لا تظهر الفوارق المادية بين مختلف طبقات المجتمع، وشق طرقات متداخلة وضيّقة نوعًا ما للحفاظ على الشعور بألفة المكان وتقاربه

كيف أنتقل من فكرة إلى مشروع ؟

تجسيد الأفكار وتحويلها إلى مشروع اجتماعي إيجابي يحتاج إلى الإيمان بالفكرة، الإصرار على تحقيقها، وتجنيد كل الإمكانيات المادية والبشرية المتاحة في سبيل الوصول إلى الهدف

قد يتطلّب الأمر تغيير خطة العمل عدة مرات لكي تتناسب أكثر مع ما يفرضه الواقع، وقد يكون من الضروري إجراء دراسات إضافية للحصول على معلومات أكثر وأدق لتقديم حل أنسب، وقد يكون عليك بذل مجهودات كبيرة لإرضاء المستثمرين في المراحل الأولى من المشروع.. لكن في نهاية المطاف: مهما طالت الرحلة، آمِن بالوصول

بالنسبة لمشروع تافيلالت، بدأت عملية الإنجاز سنة 1997، وتم تدشين المشروع سنة 2006

اليوم، يحتوي قصر تافيلالت على 1050 شقة (بمساحات مختلفة: كبيرة، متوسطة وصغيرة)، ويؤوي حوالي 6000 ساكن من الطبقة المتوسطة

كل المنازل بُنيت باستعمال مواد البناء المحلية التقليدية الصديقة للبيئة (الحجر، الجير والجبس)، مما جعلها تنافس مدنًا عالمية وتحصد عدة جوائز بصفتها مدينة بيئية إيكولوجية متميّزة

بيوت مدينة تافيلالت والحديقة خارج الأسوار

يحيط بأسوار المدينة شريط أخضر من أشجار النخيل والأشجار المثمرة، جُلبت تربته الخصبة من وادي مزاب إثر عمليات تصفية مياه الوادي من الأتربة

تكفّل السكان بغرس الأشجار والاعتناء بها بناءً على تعهدات قدّموها لجمعية أميدول عند استلام شققهم، حيث أن كل أسرة تلتزم عند إمضائها على عقد الملكية بغرس نخلة، شجرة مثمرة وأخرى برية والاعتناء بها، على أن تأخذ بالمقابل ما تدرّ به من ثمار لتنتفع به كما تشاء

بالإضافة لذلك، تمتلك المدينة حديقة حيوانات ومتحف ومساحة للعب مخصصة للأطفال

تافيلالت: مدينة بيئية حائزة على جوائز دولية، وما زالت تصبو إلى المزيد

أخبرنا « دا أحمد نوح » أثناء زيارتنا لقصر تافيلالت بأنه يطمح إلى أن تصبح هذه المدينة « مدينة بيئية بالكامل، تنتج الطاقة التي تحتاجها على شكل طاقات متجددة، وتستطيع تدوير نفاياتها الصلبة والسائلة »

قد يبدو هذا الكلام حالمًا قليلاً خصوصًا حين يصدر من رجل صحراوي جاوز السبعين، لكن الحقيقة أن تافيلالت مدينة إيكولوجية بالفعل، كل منازلها شُيّدت بمواد صديقة للبيئة، تبنّت فرز النفايات المنزلية، وبدأت باستعمال الطاقة الشمسية للإنارة، باشرت في مشروع تصفية المياه عبر محطات مصغّرة تعتمد على الطحالب، وتعاقدت مع عدد من المختبرات لدراسة الخصائص الطبية للنباتات الصحراوية المزروعة في « حديقة التجارب » خارج أسوار المدينة

حازت المدينة على عدة جوائز دولية في المجال البيئي، من بينها

الجائزة الأولى للبرامج البيئة التي ترعاها جامعة الدول العربية سنة 2014-

COP22 جائزتان في المسابقة البيئية التي نُظّمت في مراكش سنة 2016 بمناسبة-

الجائزة الوطنية العالمية للطاقة النمساوية، والتي تعتبر واحدة من أهم الجوائز البيئية في العالم-

بالإضافة إلى كل الإنجازات التي حقّقها المشروع على أرض الواقع، مازال أكبر طموحات الدكتور « أحمد نوح » هو بناء مجتمع واعي ومسؤول، ولهذا جعل تنظيف شوارع المدينة من مسؤولية السكان، حيث تتكفّل كل أسرة بتنظيف حيّز معلوم من المدينة طوال أسبوع كامل، ثم تتعاقب الأدوار على بقية العائلات باستمرار

كما قام بتشجيع العمل الجمعوي (هناك 11 جمعية ناشطة في تافيلالت)، وألحّ على تلقين الأطفال القيم المجتمعية السامية من خلال نشاطات ترفيهية وتعليمية تناسب أعمارهم وتساهم في صقل شخصياتهم

الأثر الاجتماعي لهذه المبادرات هو ما يعطي بُعدًا آخر لقصر تافيلالت، فهي ليست مجرد مدينة جديدة، بل مشروع اجتماعي ريادي يستحق أن يكون مثالا يُحتذى به   

هل تعرف مشروعًا اجتماعيًا نجح في ترك بصمة إيجابية على أرض الواقع؟ اكتب لنا اسمه في التعليقات

4 Commentaires sur “كيف تمكنت تافيلالت من حصد جوائز عالمية بصفتها مشروع اجتماعي بيئي رائد؟

  1. Rayhene Merghem says:

    مقال رائع جدًّا، أضاف لزيارتي إلى غرداية قبل عامين معنى أعمق.. شكرا أميرة

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *