حديقة العالم في غرداية: حكاية الرجُل الذي غرس غابة

هناك قصة مشهورة للكاتب الفرنسي « جان جيونو » عنوانها « الرجل الذي غرس الأشجار »، تحكي عن رجل خمسيني اختار العيش في منطقة قاحلة في فرنسا بعد أن فقد زوجته وابنه

كانت الأرض جافة والمياه شحيحة، والرياح تعصف بكل شيء كأنها تُنبِّئ بنهاية العالم.. فماذا فعل الرجل؟

قرّر أن يغرس الأشجار

وحيدًا وبعيدًا عن أخبار العالم ووَقْع الحربين العالميتين الأولى والثانية، التزم الرجل طوال عدة عقود بانتقاء أفضل البذور ليغرسها، وانتقل على عصاه مسافات طويلة كي تتسع المساحة الخضراء وتمتد على مدى كيلومترات

لم يعلم أحدٌ كيف نبتت غابة ساحرة وسط القفار، وكيف عادت المياه إلى مجاريها بعد جفاف طويل، لم يعرفوا قصة الرجل المُسنّ لكنهم أُعجِبوا بجمال الغابة، فحوّلتها

السلطات إلى محمية طبيعية محروسة، وبنى الناس قرية صغيرة على أطرافها

رغم أنّ هذه القصة خيالية إلاّ أنها تترك في النفس شعورًا عميقا بقدرة الفرد على تحقيق المعجزات، فماذا لو عرفتَ أن في الجزائر رجلاً حقيقيًا غرس غابة؟

حديقة العالم » مشروعُ تحويلِ صحراء إلى جنّة »

منظر على حديقة العالم

كانت زيارة حديقة العالم مصدر إلهام لنا جميعًا، فقد تسنّت لنا أخيرًا فرصةُ رؤية المشروع بأمّ أعيُننا: أشجار نخيل وزيتون وخرّوب ممتدة أمامنا على مدّ البصر، خيول جميلة خاصة بنادي الفروسية التابع للغابة، وسدّ طبيعي صغير على إحدى المرتفعات المطلة على المكان

أخبرنا « طارق بليدي » صاحب المشروع عن فكرة التجربة: حديقة العالم قائمة على مبدأ المشاركة؛ سواء تحدّثنا عن أشجار النخيل، الكتب، أو مشاركة المهن التي نتقنها، فإنّنا هنا مستعدّون لتقاسم كل هذا وأكثر مع الآخرين. لدينا هنا مكتبة تستقبل الكتب التي يريد أصحابها مشاركتها. إذا غرستُ نخلة، فسيقوم أشخاصٌ غيري بأكل تمورها.. نحن هنا لا نقوم بالأشياء لأجل أنفسنا، لكن لأجل الجميع ولأولئك الذين سيأتون بعدنا أيضًا

من الواضح أن مشروع حديقة العالم قائم على قِيم أخلاقية تهدف إلى إحياء وحدة المجتمع والتكافل بين أفراده، لكن هذا ليس كل شيء

أحد أهم أهداف المشروع هو الحفاظ على الأنواع النباتية والحيوانية الموجودة في المنطقة، والأولوية الآن تتمثّل في غرس أنواع النخيل التي صارت نادرة في السنوات الأخيرة لحمايتها من الانقراض، حيث انخفض عدد أنواع النخيل المنتشرة في بني يزقن من حوالي 60 نوعًا إلى 5 فقط، لكن ما يدعو للتفاؤل هو أن إعمار الأرض بالأشجار لا يحافظ على الثروة النباتية فقط بل يستقطب الحيوانات التي هجرت المنطقة بعد تغيّر بيئتها، وهكذا نضرب عصفورين بحجر واحد

ما هو دورك في التنمية المستدامة؟

حديقة العالم في بداية التشجير

شخصٌ واحد يؤمن بما يفعل، لا ينكسر أمام التحديات، ولا يتوقّف حين يجد نفسه يمشي وحيدًا على طريق التغيير؛ يستطيع فعل الكثير إن استمرّ في مساره ولم ينقطع.. وهذا الشخص يمكن أن يكون أنا أوأنت

لقد تمكّن « طارق بليدي » من تحويل أرض جرداء إلى مساحة خضراء يقصدها الناس لركوب الأحصنة وممارسة الفروسية، ليس لأنه يملك مصباح علاء الدين السحري أو كنوز علي بابا، بل لأنّه يعرف أهمية التنوع الطبيعي والتنمية المستدامة وقرّر الالتزام بتحقيق ذلك على أرض الواقع في إطار مبادرة فردية تحوّلت إلى مشروع اجتماعي مُلهم .. فمن كان يتخيّل أن الحياة يمكن أن تحطّ الرحال في صحراء مهجورة؟ ومن كان يتخيّل أن هذا المشروع قادر على استقطاب اهتمام الأجانب، وأنّ أشخاصًا من السويد سيأتون يومًا لغرس الأشجار في غرداية؟

كل شيء ممكن إذا آمن الإنسان أن رجلاً يمكن أن يغرس غابة

2 Commentaires sur “حديقة العالم في غرداية: حكاية الرجُل الذي غرس غابة

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *